📁 آخر الأخبار

قصة : في منتصف كل شيء بقلم : عبد الكريم الإدريسي

قصة : في منتصف كل شيء
بقلم : عبد الكريم الإدريسي

وصف ...

“في منتصف كل شيء” حوار فلسفي بين الأمل والوعي، يتجسد في صوتي سليم وليلى، روحين تلتقيان عند حدود الحيرة.
ليس بينهما صراع بقدر ما بينهما بحث عن معنى البقاء، والخسارة، والسلام الداخلي.
ينتقل النص بين الشعر والنثر، بين الوجع والتأمل، ليكشف أن الإنسان لا يعيش في النهايات أو البدايات،
بل في تلك المسافة الهادئة — في منتصف كل شيء — حيث يولد الفهم، ويصمت الخوف، وتبدأ الحرية.

---

كانت الساعة تميل إلى الصمت، والليل يتنفس بين سطرٍ وسطر.
جلس سليم قبالة ليلى، لا بينهما سوى فراغٍ يلمع فيه ضوء الفهم المتردد، كأن كل كلمة تُلقي ظلّها على الأخرى.

قال سليم بصوتٍ يشبه من يحدّث نفسه:

 "لا الماضي يعود، ولا الحاضر يتبدّل من تلقاء نفسه."
نحن فقط من نحكم على أنفسنا بالعذاب أو بالسكون، نحن من نصوغ ما نعيشه بقدر وعينا لا بقدر الظروف."

نظرت ليلى إليه بعينين تحملان يقينًا ساكنًا وقالت:

 "لكن الحاضر يتغيّر، وسرّ تغيّره ليس في ما يحدث لنا، بل في من نكون بعد كل ما حدث."

ابتسم سليم وقال:

 "إذن، فافعلي ذلك يا ليلى. غيّري ما يجب تغييره."

تنهّدت ليلى ثم قالت وكأنها تستحضر ذكرى بعيدة:

 "اليوم تذكرت قول درويش:
لا أنت بعيد فأنتظر، ولا أنت قريب فألقاك، ولا أنت لي فيطمئن قلبي.
ربما القرب والبعد ليسا في المكان، بل في الإحساس.
هناك أشخاصٌ يسكنون المنتصف، لا نملكهم ولا نفقدهم،
يظلون بين النسيان والحنين كأنهم حقيقة مؤجلة."

أطرق سليم لحظة، ثم رفع رأسه وقال:

 "لا يمكننا تجاوز الأشياء ما دمنا نفكر فيها.
حين نفقد الأمل في الشيء، نتوقف عن الخوف منه.
كما قال سقراط: فاقد الأمل لا يخاف، بل يطمئن أن لا شيء سيؤلمه مجددًا."

ردّت ليلى بابتسامة حزينة:

 "ربما لأن الأمل نوعٌ من التعلّق، والتعلّق سجنٌ بارد مهما بدا دافئًا.
لكن فقدان الأمل ليس حرية… إنه انطفاء.
من يعيش بلا أمل يعيش بلا بوصلة، كمن يسير في البحر على ظهر مركبٍ بلا نجمة."

أجابها سليم:

 "لن أؤمن أني خسرت، ولن أفقد الأمل إلا إن غبتِ أنتِ عن مداري.
بعض الأرواح ليست غيابها فناءً، بل انهيارًا للمعنى."

ابتسمت ليلى وكأنها تبتسم من خلف وجعٍ قديم، ثم قالت:

 "الاعتراف بالخسارة ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن ما نتمسك به لم يكن لنا من البداية.
الوهم وحده يجعلنا نُقاتل ما يجب أن نُسلم له.
أحيانًا يكون التراجع بطولة، والاستسلام بداية طريقٍ آخر."

سألها سليم بصوتٍ خافت:

 "لكن إن لم أعد أعرف ما هو خير؟ هل أرحل أم أحاول؟ هل الصمت هزيمة؟"

أجابته ليلى:

 "حين لا تعرف، كن ساكنًا.
لا تُحرّك السفينة في العاصفة.
دَع الرياح تُقرر الاتجاه، لأن الحيرة أحيانًا ليست ضياعًا،
بل نداء من داخلك يقول: توقّف… افهم قبل أن تفعل."

سكت الاثنان طويلًا.
الليل من حولهما لم يعد ظلامًا، بل مساحة من تفكيرٍ عميق.
حتى قال سليم أخيرًا:

 "ربما لا شيء من حولي يستحق هذا الصراع.
ربما آن أن أترك الأشياء تفقد قيمتها وحدها."




أجابته ليلى بهدوءٍ كمن يضع خاتمة الحكمة:

> "وهنا تبدأ المعرفة، يا سليم…
حين لا يؤلمك الفقد، فاعلم أن ما فقدته لم يكن لك.
وحين يبقى الشيء رغم العواصف، فذاك هو ما يستحق أن تُكمل الطريق لأجله."

وساد بينهما سكونٌ جميل،
كأن الوعي نفسه جلس إلى جانبهما،
صامتًا… لكنه مبتسم.
تعليقات