📁 آخر الأخبار

رواية : انتقام أو موت بقلم فردوس رشاق ( الفصل 1)

رواية : انتقام أو موت 

بقلم : فردوس رشاق

مقدمة 

 الى كل من واجه ظلام الحياة بقلب ينبض بالأمل ...هذه الرواية لكم 

 " في الحب كما في الانتقام ، كل شيء مباح "

 بين قلب ينبض بالحب ويدٍ تتعطش للانتقام ، تخوض حياة حربا خفيفة ، لا أحد يعلم حقيقتها ، لكن الحقيقة دائما تجد طريقها للظهور.

في درب الحياة، تسكن الأقدارُ 

أسرارٌ في الظل، وأحلامٌ تُغتَالُ 

حياةٌ تُخفي وجهًا خلف ستارِ 

طبيبةٌ في النور، مافيا في الظلالِ 


جراحُ القلبِ تسكن يدَيها 

وفي قلبها ثأرٌ يَحرقُ المآلِ 

بحثٌ عن القاتلِ، والدمُ يُنادِي 

سهامٌ غائبةٌ، وحقٌ لا يزالِ 


في مراكش، حيثُ الليلُ غريبُ 

تتشابكُ الأقدارُ، ويبدأُ النحيبُ 

جلالٌ جاسوسٌ، بصدفةٍ يُصابُ 

فنجانُ قهوةٍ، وحبٌ مُستتِرُ الغيابِ 


فهل تَنتقمُ حياةُ أم يهديها الهوى؟ 

أم يُسقِطُ الحبُّ قلاعًا من جَفا؟ 

في "انتقام أو موت" الحقيقة تُزهَرُ 

وحكايةٌ تُروَى على لحنِ القَدَرِ .


الفصل الأول: نداء من رماد الفقد


في ذلك الفجر الباهت، حين تتأرجح السماء بين عتمة الليل وشحوب الصباح، خرجت حياة من غرفتها بخطًى متثاقلة، كأن الأرض تنوء بحزنها. وجهها الشاحب كان يحمل آثار بكاءٍ لم يعرف النوم، وعيناها المتورمتان تخفيان عاصفة من وجعٍ دفين.


في الأمس، دفنت والديها. وفي لحظة واحدة، تغيّر العالم.

البيت الذي كان عامرًا بالدفء، أصبح صامتًا كالمقابر. حتى الجدران بدت وكأنها تنعي، بصمتٍ ثقيل، من رحلوا. وحده حضن الجد، كان ما تبقّى لها من ذلك العالم، الذي انهار تحت أقدامها كقصرٍ من رمال.

اقتربت من جدّها وقد خنقتها العبرة، لكنه، وعلى خلاف ما توقّعت، فتح ذراعيه بثبات الجبال، وضمّها إلى صدره، هامسًا بصوتٍ متهدّج لكنه واثق:

 "لن ننكسر، يا حياة... لسنا ممّن يطأطئون الرؤوس. من سلبنا من نحبّ، لن يفلت بفعله."

كلماته لم تكن عزاءً، بل شرارة... ألهبت شيئًا ما في أعماقها.

هناك، بين انكسار القلب وحنق الفقد، وُلد وعد جديد.

من هذا اليوم، لن تكون مجرد طبيبة جراحة. ستصبح شيئًا آخر... ظلًا يتحرّك في عالمٍ لا يعرف الرحمة.

سارت ببطء نحو غرفة والديها، حيث ما زالت رائحة الأم عالقة في الستائر، وفي تفاصيل الأثاث. وقفت أمام الصورة التي تجمعهم، ومدّت يدها المرتجفة تلامس الزجاج البارد، كأنها تلامس الذاكرة ذاتها.

فجأة، انسابت دموعها، بلا مقاومة.

انكفأت على ركبتيها، تحضن نفسها وسط الفراغ، وهمست بصوتٍ مخنوق:

 "أحتاجكِ يا أمي... أحتاجكِ الآن أكثر من أي وقت مضى."

وفي تلك اللحظة، تسلّل إلى مسامعها وقع المطر، يطرق النوافذ بنغمة حزينة. فتحت النافذة، وتركت القطرات تبلل وجهها، كما لو أنها دموع السماء تشاطرها الحزن.

تذكّرت كلمات أمّها:

 "المطر يغسل الأحزان، يا حياة... دعيه يأخذ وجعك بعيدًا."

أغمضت عينيها، وسارت ببطء نحو الباب الكبير. خرجت من القصر، والبرد يلسع وجنتيها، وشيء في داخلها تغيّر.

وفي زاوية مظلمة من الحديقة، كان ياسين يراقب بصمت. تقدّم منها وقال بصوت خافت:

 "سمعت ما دار بينكِ وبين الجد... وأنا أيضًا لي ثأر قديم.

الليلة، سيكون أحد رجالهم في الحانة القديمة. قد يحمل شيئًا عن أختكِ."

لم تتردد.

مشاعرها كانت خليطًا من الحزن والغضب، وبين الأزقة الرطبة تبعت ياسين حتى وصلا إلى مبنى مهترئ، تلمع أضواؤه الخافتة كأنها فوانيس من زمنٍ بائد. دخلت الحانة، والخطى التي كانت وديعة في الممرّات الاستشفائية، صارت الآن خطى مفترسة.

رصدت الرجل في الزاوية، وحين اقتربت منه، أمسكت بكتفيه بقوة، دفعت به إلى الجدار، وصوتها ارتجف بين التهديد والرجاء:

 "أين أختي؟... قل لي قبل أن أُجبرك على البوح!"

لكنّ الرجل بالكاد نطق. وقبل أن يتفوه بحرف، انقضّ عليه شخص مقنّع من بين الظلال، وسدد له ضربة قاسية جعلته يترنح ويسقط أرضًا.

هرعت حياة خلف المقنّع، لكن الزحام كان كثيفًا، واختفى كما لو أنه دخان.

عادت إلى الرجل الممدد، ركعت قربه، وقبل أن يفقد وعيه، تمتم بكلمة واحدة، كانت كافية لتفتح أبوابًا جديدة:

 "الميناء..."

جمدت حياة في مكانها، وكل شيء حولها خفت، إلا ذلك الصوت الذي تردّد في أعماقا:

"الميناء..."

وهنا كانت بداية الحكاية الحق الحقيقية.


الفصل الثاني: بين مشرط الانتقام وطلقة الحياة


في ركن مظلم من الحانة، حيث تمازجت أضواء خافتة مع ظلال قاتمة، فتحت حياة عينيها ببطء، وكأنها تستعيد لحظات الغيبوبة التي سحقتها تحت وطأة الصدمة. كان صوت الهمس الدافئ الذي يرافقها مألوفًا، ويد حانية تمسك بكتفها بحذر.

كان ياسين إلى جانبها، وجهه يحمل ملامح القلق والتصميم في آن واحد. نظرت إليه بعيونٍ تفترشها الدموع وتملؤها الأسئلة التي لم تجد لها جوابًا بعد. حاولت أن ترفع جسدها، لكن ثقل اللحظة وثقل الصدمة جعلاها ترتعش في مكانها.

همس ياسين بصوت مطمئن لكنه حازم:

"حياة، خذيه نفسًا عميقًا، لا تذهبي بعيدًا. ما زلنا هنا، وكل شيء تحت السيطرة... تقريبًا."

لم تستطع حياة أن تكبح دموعها التي ذابت على خدّيها كأنه مطر يحمل معه كل ما تبقى من آلامها. كانت تتذكر كلمات الرجل الممدد الذي حاول أن يخبرها بشيء قبل أن ينهار بلا وعي، كلمته الوحيدة التي هزت أركان عقلها: "الميناء..."

تلك الكلمة التي أصبحت لغزًا يحاصرها، وحبل نجاة ضاع في الظلمة بفضل ضربات ذلك الشخص المقنع الذي انقضّ عليهم فجأة، وأنهى كل فرصة لمعرفة الحقيقة.

تقدّم ياسين نحو الرجل الممدد، وفحصه بعين الطبيب المدرب، ثم عاد بوجهه المكلوم.

"لقد فقد الوعي تمامًا، وربما يكون مصابًا إصابة خطيرة. الشخص المقنع لم يترك لنا فرصة."

تنفست حياة بعمق، وكان ذلك التنفس كأنه شرارة توقظ فيها العزيمة التي بدأ يحترق قلبها بها منذ دفن والديها.

قالت بصوت خافت:

"لا بد أن أعرف لماذا قال 'الميناء'... هناك أمر عظيم يختبئ خلف هذا الاسم، وربما كل ما حدث حتى الآن مجرد بداية."

لكن حينما حاولت النهوض، رن هاتفها فجأة، صوت رنينه كسر صمت الحانة وأعادها إلى واقع آخر، واقع لا يرحم.

أخذت الهاتف من حقيبة يدها بيد مرتجفة، وسرعان ما أطلعت على شاشة الاتصال. كان المستشفى.

أجابت، وصوت الممرضة كان حادًا ومتطلبًا:

"دكتورة حياة، لدينا حالة حرجة في غرفة الطوارئ. رجل في الستينات يعاني من تمزق حاد في شريان القلب، وحياته في خطر. نحن بحاجة ماسة إلى تدخل جراحي عاجل."

أغلقت الهاتف، وشعرت بثقل المسؤولية يكتم أنفاسها. تلك اللحظة التي كان من المفترض أن تستمر فيها في البحث عن الحقيقة، تنبّهت إلى أن حياة أخرى تعتمد عليها.

نظرت إلى ياسين وقالت بصوت صلب، لكنه محمّل بألم الاختيار:

"الانتقام مؤجل، لكن إنقاذ الحياة هو الآن."

تقدم ياسين وناولها معطفها، وهو يعلم أن قرارها ليس سهلاً، لكنه يعكس قوة لا تقهر.

خرجت حياة من الحانة، وتسللت الرياح الباردة لتلمس وجهها، كأنها تهمس لها بأن الحياة تستمر مهما اشتدت العواصف.

في طريقها إلى سيارة الإسعاف، كانت تسير بخطى ثابتة رغم كل شيء، تحمل في قلبها ثقل الحزن وغليان العزيمة.

داخل غرفة العمليات، تحولت حياة إلى طبيبة جراحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ مشرطها كان سلاحها وقرارها مصير.

ظلّ ضوء المصباح المتحرك فوق جسد المريض يضيء غرفة العمليات، وصوت أجهزة المراقبة ينبض بإيقاع الحياة والموت.

كانت حياة واقفة أمام المشرط، يداها ثابتتان رغم الارتجاف الداخلي، وعيناها تلاحقان كل نبضة قلب وكل تنفس يُسجل على الأجهزة.

لكن بين طيات تركيزها الحاد، لم تفارق أذنيها كلمة واحدة تتردد بصوت خافت في عقلها:

"الميناء..."

صوت يقطر غموضًا وكأنه وعدٌ بمصير لم تكشفه بعد.

في تلك اللحظة، رن هاتفها مرة أخرى من الجهة الأخرى من الممر، لكنه لم يكن صوتاً عاديًا، بل كان يحمل تهديدًا خفيًا:

"حياة... الطريق الذي اخترته محفوف بالمخاطر. عليكِ أن تعرفي، الثمن سيكون باهظًا."

لم ترد، لكن قلبها خفق بقوة، وبدلاً من الابتعاد، استجمعت قواها وعادت إلى المشرط، إلى ذلك الحد الفاصل بين إنقاذ الحياة واحتضان الانتقام.

العملية مستمرة، والغموض يلتف حولها كظلّ لا ينفك يطاردها.

يتبع...

Mr Elasri Mohcine
Mr Elasri Mohcine
تعليقات